ابو القاسم عبد الكريم القشيري
207
كتاب المعراج
الإحسان بنفسه غيّبته عن ذكر المخلوقات . واستيلاء ذكر الحقّ عليه واستغراقه ، بل استهلاكه ، في حقائق وجوده . في السجود رؤية اليقين وسئل بعضهم : لم سجد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عند سدرة المنتهى ؟ فقال : لأنّ في السجود رؤية اليقين ، وإظهار العبوديّة ، وتعظيم الحقّ . وكان هو في محلّ الفناء من أوصافه لغلبات سلطان الحقيقة عليه عند مشاهدة الحقّ . فأنّى يكون له التفات إلى السّجود أو فراغ له ؟ يشير هذا القائل إلى كونه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، مأخوذا عن إحساسه بحاله ، بما غلب عليه من شهود جماله ، ووجود جلاله . وقال رويم « 1 » : لمّا أكرم محمّد ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، بأعظم الشّرف في المسرى ، علت همّته عن الالتفات إلى الآيات والكرامات والجنّة والنّار : ف ( ما زاغَ الْبَصَرُ ) « 2 » . أي ما أعار طرفه شيئا من
--> ( 1 ) - رويم : هو أبو محمد رويم بن أحمد . ترجم له القشيري في الرسالة . وقال أنه بغدادي من أجلّة المشايخ ( ت 303 ) . كان فقيها على مذهب داود ( الظاهري ) . من أقواله : " من حكم الحكيم أن يوسّع على إخوانه في الأحكام ، ويضيّق على نفسه فيها . فإن التوسعة عليهم اتباع العلم ، والتضييق على نفسه من حكم الورع " وقال أيضا " إن اللّه تعالى غيّب أشياء في أشياء : غيّب مكروه في حلمه ، وغيّب خداعه في لطفه ، وغيّب عقابه في كرامته . وأوصى سائلا فقال : " أقلّ ما في هذا الأمر بذل الروح . فإن أمكنك الدخول مع هذا فيه ، وإلا فلا تشتغل بترّهات الصوفية " . ( 2 ) - سورة النجم 53 / 17 .